Follow by Email

السبت، 9 أبريل، 2011

جدوي الحوار الوطني

جدوي الحوار الوطني
بقلم: مكرم محمد أحمد
مكرم محمد أحمد

بعد جلسة تمهيدية واحدة للحوار الوطني‏,‏ رأسها نائب رئيس الوزراء د‏.‏ يحيي الجمل‏,‏ قرر رئيس الوزراء د‏.‏ عصام شرف وقف جلسات الحوار وإسناد مسئوليتها الي د‏.‏ عبدالعزيز حجازي رئيس الوزراء الأسبق ورئيس اتحاد الجمعيات الأهلية‏,

وبرغم أن رئيس الوزراء لم يورد في قراره الأسباب التي دفعته الي هذا الإجراء المفاجيء, إلا أن الواضح من استبعاد معظم القوي السياسية والحزبية التي لم يتم دعوتها الي الجلسة التمهيدية أن البدايات كانت جد خاطئة, تكشف عن غياب رؤية متكاملة تستطيع توظيف هذا الحوار لتحقيق وفاق وطني حول أسلم الطرق وأكثرها أمنا لتحقيق نظام ديمقراطي صحيح يعزز بناء الدولة المدنية القانونية التي يجمع عليها كل المصريين, وأن حضور الجلسة التمهيدية اقتصر علي قوائم منتقاة من الشخصيات العامة تدخلت فيها الرغبات الذاتية والعلاقات الشخصية, أغلبها لأناس تحفل الصحف كل يوم بآرائهم التي تتكرر أصداؤها في برامج الفضائيات الحوارية.
ولأن الحوار افتقد منذ اللحظة الأولي خريطة طريق صحيحة تقوده الي الهدف المنشود, فلقد جري سداحا مداحا وبصورة أشبه بمصطبة الدوار, بمعني أن كل من حضر الحوار سمح لنفسه بأن يتحدث في كل شيء, سواء كانت له علاقة اختصاص بموضوعات الحوار, أم كان من محترفي الكلام الذين يتحدثون في كل شيء, ابتداء من قضية الحد الأدني للأجور الي مشكلات التنمية وطبيعة الدولة المدنية الي المشكلة الأخلاقية ومصير معاهدة السلام مع إسرائيل, بحيث أصبح الحوار مجرد منولوجات متكررة لانطباعات شخصية ورؤي عامة, يصعب أن تعثر في دروبها المتعددة علي رؤية مشتركة أو خطوط أساس عريضة تصلح لأن تكون برنامج عمل يحظي بوفاق وطني, كما يصعب أن تتلمس خلالها ترتيبا صحيحا للأولويات الوطنية المهمة, ووزنها النوعي الذي يفرض مكانتها المتقدمة علي سلم الأولويات في هذه المرحلة الحرجة, فضلا عن الغياب الواضح لتمثيل القوي الجديدة التي شاركت في صنع ثورة25 يناير.
ومع الأسف ألقت أسباب القصور شكوكا كثيفة حول فكرة الحوار الوطني ذاتها, التي يري البعض أنها مجرد لعبة سياسية بدأت متأخرة عن موعدها المفترض مع بداية المرحلة الانتقالية, هدفها شق الصف الوطني لأن الحضور تم علي أسس انتقائية, ويراها البعض الآخر عديمة الجدوي في ظل صدور قوانين وقرارات جديدة فاجأت الجميع دون الرجوع الي قوي الشارع السياسي أو عرضها لحوار مجتمعي, مثل قانون تجريم التظاهر الفئوي الذي لايزال موضع اعتراض غالبية القوي السياسية والوطنية برغم إلحاح الحكومة علي أنه مجرد قانون مؤقت, وقانون الأحزاب الجديد الذي لم يسلم من بعض الاعتراضات المهمة برغم القبول الشعبي الواسع لمعظم بنوده, وأن الحوار في النهاية لا يعدو أن يكون مجرد جلسات دردشة خاصة بعد أن تكفل الإعلان الدستوري بتحديد مهام المرحلة الانتقالية التي كان ينبغي أن تكون واحدة من الموضوعات الرئيسية للحوار الوطني, بهدف تحقيق وفاق وطني عام حول طبيعة هذه المرحلة وتحدياتها, كان يمكن أن يوفر كثيرا من الخلافات التي نشأت أخيرا بسبب أسبقية الانتخابات البرلمانية علي الانتخابات الرئاسية أو بسبب قضية الدستور الجديد, وأيهما كان الأفضل لمسار الديمقراطية المصرية, البدء بإنشاء دستور جديد يتم بمقتضاه الانتخابات البرلمانية والرئاسية أو تأخير الدستور الجديد الي ما بعد انتخاب الرئيس ومجلسي الشعب والشوري.
والأمر المؤكد أن تعزيز الوفاق الوطني خلال المرحلة الانتقالية, من خلال اتفاق غالبية القوي السياسية والوطنية علي برنامج واضح, يحدد خطوط الأساس في هذه المرحلة الخطيرة, من شأنه تهيئة أساس راسخ وصحيح لنظام ديمقراطي يضمن انتقال الحكم علي نحو سلس الي سلطة شعبية منتخبة انتخابا صحيحا, تستطيع مواجهة تحديات ضخمة مقبلة تتكشف الآن مثل قمم جبال الجليد التي يختفي معظمها تحت السطح, تتمثل في الظهور المفاجيء لسطوة التيارات السلفية التي تأخذ القانون في يدها وتحاول أن تصبح دولة داخل الدولة, والتزايد المحتمل للاضرابات الفئوية التي لم يستطع القانون الجديد منعها وعادت لتحتل رصيف مجلس الوزراء, وتنامي ظاهرة البلطجة واتساع نطاق جرائمها ليشمل مجالات عديدة وصلت الي ميدان الرياضة, وغياب الالتزام بالنظام العام في ظل محاولات البعض استنساخ شرعية ثورية ملاكي تخصه تمكنه من إحداث التغيير في الموقع الذي يريده, وتردد الأمن في القيام بواجباته المهنية لافتقاده الحد الأدني من الأمان الذي يكفل حماية وظيفته, وكلها مشكلات ضخمة سوف تواجه مصر علي نحو أكثر عنفا بعد نهاية المرحلة الانتقالية, تضع الحكم الجديد في اختبار قاس يصعب تجاوزه, دون وجود حد أدني من الوفاق الوطني القادر علي الانحياز الي الموقف الصحيح.
ولهذه الأسباب, فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه مصر الآن لا يكمن فقط في اختصار الفترة الانتقالية الي أقصي حد ممكن, حتي يعود الجيش لمهامه دفاعا عن أمن مصر القومي, ولكنه يكمن أيضا في تهيئة عوامل النجاح التي تمكن السلطة الشعبية المنتخبة علي المستويين التشريعي والتنفيذي من مجابهة هذه التحديات المقبلة.
وبرغم هذه الانتقادات لمسار الحوار الوطني في الفترة السابقة, وتأخره كثيرا عن موعده المفترض, تزداد حاجة مصر الملحة الي استئناف الحوار علي نحو أكثر تنظيما, يضمن تحقيق قدر من الوفاق الوطني, يعزز قدرة النظام الديمقراطي الوليد علي تجاوز مصاعبه المتعددة, سواء كان مصدرها صعوبة المخاض الديمقراطي في ظل وجود أوعية حزبية وسياسية تتفاوت قدراتها الشعبية والتنظيمية, تشارك فيها قوي الإسلام السياسي وتمارس لأول مرة ديمقراطية حقيقية مكتملة, أم كان مصدرها تحديات ضخمة قادمة تبدو شواهدها واضحة للعيان.. وما يزيد من أهمية الحوار الوطني وضرورته, أنه برغم توافق غالبية المصريين علي هدف إقامة دولة مدنية قانونية ديمقراطية, ثمة خلافات عديدة بين الفرقاء الوطنيين حول طبيعة هذه الدولة وخياراتها المتاحة يحسن تركيز الحوار حولها.
أولها, طبيعة النظام السياسي الذي تنشده مصر, وهل يكون رئاسيا أم برلمانيا أم وسطا بين الاثنين, ومدي مسئولية الرئيس الذي يظل دوره مهما وأساسيا برغم ضرورة تقليص بعض سلطاته, ومدي مسئولية رئيس وزرائه الذي ينبغي أن تتكافأ سلطاته مع حق السلطة الشعبية في مساءلته, والحدود الفاصلة التي تمنع توغل السلطة التنفيذية علي باقي السلطات وتضمن الاستقلال الكامل لسلطة القضاء.
وثانيها, نسبة العمال والفلاحين في المجالس الشعبية, ومصير كوتة المرأة, وهل لاتزال هذه الفئات الثلاث, العمال والفلاحين والمرأة, تحتاج الي نص خاص يحمي حقوقها السياسية, أم أنه آن الأوان لإلغاء هذه النسب التي ثبت أنها مجرد أدوات ووسائل لزيادة أعداد مقاعد الحزب الحاكم في البرلمان لا علاقة لها بحقوق العمال والفلاحين, نظرا لغياب تعريف دقيق مانع جامع للعامل والفلاح يجعل استخدام هذا الحق, وقفا علي الفئتين ويمنع سوء استخدامه.
وثالثها, مصير مجلس الشوري, وهل هو بالفعل مجرد زائدة لا فائدة منها, أم أن وجوده يمكن أن يكون مكسبا باعتباره مجلسا يضم الخبرات المهنية والقانونية المتخصصة التي تسد النقص المحتمل الذي يمكن أن يعانيه مجلس الشعب, لأن الانتخابات لا تفرز عادة كل الخبرات المطلوبة, واذا ثبت أن وجود مجلس الشوري أمر ضروري ومفيد, فهل يمكن أن تكون المجالس المتخصصة اذا رؤي الإبقاء عليها بمثابة أمانة فنية للمجلس تزيد من عمق دراساته ورؤاه.
رابعا, إعادة الاعتبار لحقوق الإنسان المصري من خلال وثيقة ملزمة يقر الحوار الوطني خطوطها الأساسية, وتصدر عن مجلسي الشعب والشوري, ويصادق عليها رئيس الجمهورية المنتخب, تقنن حق الإنسان المصري في التظاهر والمطالبة بحقوقه والحفاظ علي كرامته, وحقه في أن يعرف ويتلقي تعليما جيدا, وحقه في أن يلقي الاحترام في تعامله مع دوائر الحكومة باعتباره مواطنا صاحب حق أصيل في وطنه, وتجريم العدوان علي حقوقه والمساس بشخصه وإهانته أو تعذيبه.
خامسا, تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة بما يضمن احترام رموز كل الأديان وعدم المساس بها واعتبار ذلك جريمة تهدد وحدة الوطن, واقرار مدونة سلوك تمنع استخدام الدين لترويج دعاوي السياسة تلزم كل القوي السياسية والحزبية, وتضع القواعد التنفيذية التي تضمن عدم قيام الأحزاب علي أسس دينية, وتحافظ علي أنشطة الدعوة الدينية في إطار الموعظة الحسنة, بحيث يمتنع علي كل حركات الدعوة الدينية وأنشطتها كل صور ومحاولات فرض الأمر الواقع عنوة وإكراها, وتنظيم بناء دور العبادة بما يمكن كل جماعة دينية من رعاية أماكن العبادة التي تخصها.
وبالطبع يمكن أن تتسع قائمة الحوار الوطني لمشكلات خلافية أخري تتعلق بقضايا حيوية مثل قضية الحدين الأدني والأعلي للأجور, وقضية تطوير التعليم والبحث العلمي وقضية تنمية الصناعات المتوسطة والصغيرة التي تستوعب الجزء الأكبر من العمالة الحرفية في مصر وإحياء الزراعة المصرية وتحديثها, وغيرها من القضايا المتخصصة التي ينبغي أن تخدمها دراسات وأوراق علمية, وتستوجب حوارا خلاقا تشارك فيه جميع القوي السياسية والحزبية وأصحاب الاختصاص وممثلون عن القوي الجديدة وشباب الثورة.
خلاصة القول, إن الحوار الوطني مهم وضروري برغم تعثر بداياته الأولي, حتي وإن تأخر بعض الوقت عن موعده, لأن هناك قضايا مهمة وعديدة لايزال يختلف عليها فرقاء الوطن تتطلب قدرا أكبر من الوفاق الوطني الذي يصعب تحقيقه في غيبة الحوار الوطني.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق